رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني

368

الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )

والعدم ، كما سبق في باب صفات الذات أنّه « كانَ اللَّهُ ولا شيءَ غيرُه ، ولم يَزَلْ عالِماً بما يكون ، وعِلْمُه به قبلَ كَوْنِه كعلمه به بعد كونه » . « 1 » وفي حديثٍ آخر : « لم يَزَلِ اللَّهُ عالِماً بالأشياء قبل أن يَخلُقَ الأشياءَ ، كعِلْمه بالأشياء بعد ما خَلَقَ الأشياءَ » . « 2 » وقد حقّقنا هنا أنّ وقوع العلم على المعلوم ليس إلّامجامعةَ العلم الأزلي لوجود المعلوم ، وسيجئ في باب جوامع التوحيد أنّه تعالى أحاط بالأشياء عِلْماً قبل كونها ، فلم يَزْدَدْ وبكونها علماً عِلْمُه بها قبل أن يُكوّنها كعِلْمه بها بعد تكوينها « 3 » ، فعينيّة الشيء بالجزئيّة لا بالوجود ، ولهذا يعقل الخلاف بأنّ الشيء بعد الإعدام هل يعاد بعينه أو بمثله ؟ ولا يلزم على القول بالعينيّة ارتكاب خلاف الضرورة ، ويتيسّر التفصّي عن مفاسد القول بالمثليّة . وليعلم أيضاً أنّ العَلَم باتّفاق علماء الأدب ما وضع لشيء بعينه ، وقد عرفت أنّ مناط العينيّة الجزئيّةُ ، لا الوجود ، فإذا أدركت جزئيّاً ووضعت له لفظاً ، فاسمه ذلك اللفظ في إطلاقات العامّة ، وتلك الصورة الإدراكيّة في اصطلاح المتكلّمين ، والمسمّى هو الجزئي الخارجي ، والصورة مطابقة له ؛ إذ لا تغاير بينهما إلّابالوجودين ، فالاسم في العَلَم عين المسمّى . ولمّا لم يمكن تصوّر الذات الأقدس على وجه الجزئيّة ؛ لأنّ جزئيّته بوجوده الخاصّ الذي هو عين ذاته ، فتصوّره على وجه الجزئيّة إنّما يتصوّر إذا دخل هو سبحانه بعينه في الذهن ، وجلال كبريائه تعالى أعظم وأجلّ من ذلك باعتراف الجميع ، وإن كان بعضهم غافلين عن أنّه لازم القول بالعَلَميّة ، بل ولازم القول بعينيّة الاسم للمسمّى ، فالاسم هناك غير المسمّى وإن كان غير مشتقّ ، ولذا جعل الإمام عليه السلام بعدما بيّن اشتقاق لفظ « اللَّه » مناطَ الغيريّة هو الاسميّةَ ، فقال : « والاسم غير المسمّى » ومثّل

--> ( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 107 ، باب صفات الذات ، ح 2 . ( 2 ) . المصدر ، ح 4 . ( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 134 ، باب جوامع التوحيد ، ح 1 .